عبد الرحمن بن ناصر السعدي

656

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

الصالحات ) * من فروض ونوافل * ( فلهم جنات المأوى ) * أي : الجنات التي هي مأوى اللذات ، ومعدن الخيرات ، ومحل الأفراح ، ونعيم القلوب ، والنفوس ، والأرواح ، ومحل الخلود ، وجوار الملك المعبود ، والتمتع بقربه ، والنظر إلى وجهه ، وسماع خطابه . * ( نزلا ) * لهم أي : ضيافة ، وقرى * ( بما كانوا يعملون ) * . فأعمالهم التي تفضل الله بها عليهم ، هي التي أوصلتهم لتلك المنازل الغالية العالية ، التي لا يمكن التوصل إليها ببذل الأموال ، ولا بالجنود والخدم ، ولا بالأولاد ، بل ولا بالنفوس والأرواح ، ولا يتقرب إليها بشيء أصلا ، سوى الإيمان والعمل الصالح . * ( وأما الذين فسقوا فمأواهم النار ) * أي : مقرهم ومحل خلودهم ، النار التي جمعت كل عذاب وشقاء ، ولا يفتر عنهم العقاب ساعة . * ( كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ) * فكلما حدثتهم إرادتهم بالخروج ، لبلوغ العذاب منهم كل مبلغ ، ردوا إليها ، فذهب عنهم روح ذلك الفرج ، واشتد عليهم الكرب . * ( وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ) * فهذا عذاب النار ، الذي يكون فيه مقرهم ومأواهم . وأما العذاب الذي قبل ذلك ، ومقدمة له وهو عذاب البرزخ ، فقد ذكر بقوله : * ( ولنذيقنهم ) * ( إلي ) * ( يرجعون ) * . * ( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون ) * أي : ولنذيقن الفاسقين المكذبين ، نموذجا من العذاب الأدنى ، وهو عذاب البرزخ ، فنذيقهم طرفا منه ، قبل أن يموتوا . إما بعذاب بالقتل ونحوه ، كما جرى لأهل بدر من المشركين . وإما عند الموت ، كما في قوله تعالى : * ( ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم ، اليوم تجزون عذاب الهون ) * ثم يكمل لهم العذاب الأدنى في برزخهم . وهذه الآية من الأدلة على إثبات عذاب القبر ، ودلالتها ظاهرة ، فإنه قال : * ( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى ) * أي : بعض وجزء منه ، فدل على أن ثم عذابا أدنى قبل العذاب الأكبر ، وهو عذاب النار . ولما كان الإذاقة من العذاب الأدنى في الدنيا ، قد لا يتصل بها الموت ، أخبر تعالى ، أنه يذيقهم ذلك لعلهم يرجعون إليه ويتوبون من ذنوبهم كما قال تعالى : * ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) * . * ( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنهآ إنا من المجرمين منتقمون ) * أي : لا أحد أظلم ، وأزيد تعديا ، ممن ذكر بآيات ربه ، التي أوصلها إليه ربه ، الذي يريد تربيته ، وتكميل نعمته على أيدي رسله ، تأمره ، وتذكره بمصالحه الدينية والدنيوية ، وتنهاه عن مضاره الدينية والدنيوية ، التي تقتضي أن تقابلها بالإيمان والتسليم ، والانقياد والشكر . فقابلها هذا الظالم بضد ما ينبغي ، فلم يؤمن بها ، ولا اتبعها ، بل أعرض عنها وتركها وراء ظهره ، فهذا من أكبر المجرمين ، الذين يستحقون شديد النقمة . ولهذا قال : * ( إنا من المجرمين منتقمون ) * . * ( ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقآئه وجعلناه هدى لبني إسرائيل * وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون * إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) * لما ذكر تعالى ، آياته التي ذكر بها عباده ، وهو : القرآن ، الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم ، ذكر أنه ليس ببدع من الكتب ، ولا من جاء به ، بغريب من الرسل . * ( ولقد آتينا موسى الكتاب ) * الذي هو التوراة المصدقة للقرآن ، والتي قد صدقها القرآن ، فتطابق حقهما ، وثبت برهانهما . * ( فلا تكن في مرية من لقائه ) * لأنه قد تواردت أدلة الحق وبيناته ، فلم يبق للشك والمرية محل . * ( وجعلناه ) * أي : الكتاب الذي آتيناه موسى * ( هدى لبني إسرائيل ) * يهتدون به في أصول دينهم ، وفروعه ، وشرائعه وموافقة لذلك الزمان ، في بني إسرائيل . وأما هذا القرآن الكريم ، فجعله الله هداية للناس كلهم ، لأنه هداية للخلق في أمر دينهم ودنياهم ، إلى يوم القيامة ، وذلك لكماله وعلوه * ( وأنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ) * . * ( وجعلنا منهم ) * أي : من بني إسرائيل * ( أئمة يهدون بأمرنا ) * أي : علماء بالشرع ، وطرق الهداية ، مهتدين في أنفسهم يهدون غيرهم بذلك الهدى . فالكتاب الذي أنزل إليهم هدى ، والمؤمنون به منهم على قسمين : أئمة يهدون بأمر الله ، وأتباع مهتدون بهم . والقسم الأول ، أرفع الدرجات بعد درجة النبوة والرسالة ، وهي درجة الصديقين . وإنما نالوا هذه الدرجة العالية * ( لما صبروا ) * على التعلم والتعليم ، والدعوة إلى الله ، والأذى في سبيله ، وكفوا نفوسهم عن جماحها في المعاصي ، واسترسالها في الشهوات . * ( وكانوا بآياتنا يوقنون ) * أي : وصلوا في الإيمان بآيات الله ، إلى درجة اليقين ، وهو العلم التام ، الموجب للعمل . وإنما وصلوا إلى درجة اليقين ، لأنهم تعلموا تعلما صحيحا ، وأخذوا المسائل عن أدلتها المفيدة لليقين . فما زالوا يتعلمون المسائل ، ويستدلون عليها بكثرة الدلائل ، حتى وصلوا لذلك . فبالصبر واليقين ، تنال الإمامة في الدين . وثم مسائل اختلف فيها بنو إسرائيل ، منهم من أصاب فيها الحق ، ومنهم من أخطأه خطأ ، أو عمدا ، والله تعالى * ( يفصل بينهم يوم القيامة فيما